هكذا يقول زينوفييف

 

 

 

النظام الانجلوسكسوني: من الهيمنة إلى الاستلاب , القسم(9) – ترجمة :أ.د. جعفر صاحب

 

الليبرالية الغربية: نظرية تحلل القيم

 

صرح الأديب الروسي ألكسندر سولجنيتسين  في نفس الشهر لصحيفة (نوفستي) المسكوفية بأنه يدعم مواقف الجمعية العاشرة للأساقفة. إن هذا الكاتب الكبير واليميني الاتجاه الحائز على جائزة نوبل في الأدب، قد وجه نقداً شديدا لعملية نقل واستنساخ النموذج الليبرالي الانجلوسكسوني وذلك بقوله: “تصرفنا بكل طيش كالقرود, وبالضبط أصبح التطبيق الحالي للنموذج الليبرالي الغربي مصدرا لحدوث أزمات حقيقية لم يشف منها بلدنا بعد. ولا نعرف ماذا سيتمخض عنها.

 

إن الطريق الأصلح بالنسبة لنا ذلك الذي ينص على أن أي نموذج لا يمكن أن ينقل إلينا نقلاً أعمى بدون تمحيص وهو خال من المبادئ الديمقراطية، ويتضمن هدماً ماديا ومعنويا لقيم ومقومات شعبنا الأخلاقية.  إن رئيس الأساقفة كيريل تحدث في الجمعية الوطنية للأساقفة وبدقة كبيرة حينما عبر عن رأيه بعدم السماح لمن يتستر تحت شعارات الحرية والعدل ليجعلها وسيلة لتخريب سلامة الوطن والمساس بالمشاعر الوطنية والدينية للفرد مهما كان دينه. وذكر بأن المقدسات والقيم الخلقية هي الضامن الحقيقي لحقوق الإنسان. واستطرد في الحديث قائلا؛ نعم إن مبدأ عدم المساس بحقوق الإنسان هو نفسه موجود ضمن قيم أجدادنا، وأخذنا نسمع ذلك باستمرار خلال عصر التعليم والتعلم عن “حقوق الإنسان”. وفي الحقيقة كانت تلك القيم مطبقة وبشكل فعلي في كل أرجاء البلاد، ذلك التطبيق لا يعني سوى الإقرار بقيمنا الأخلاقية نفسها دون أن يدعونا احد إلى حماية حقوق الإنسان، وذلك إن أي طلب من ذلك النوع يعد مضحكاً وقبيحاً لأننا ملتزمون أخلاقيا.

 

ويرى سولجنيتسين بان منظور الايدولوجيا الجديدة الذي سيظهر في روسيا, يمكن أن يقال عنه انه ينطلق بقوة كرد طبيعي على حالة التحلل، تلك الحالة التي سمحت لحدوث أشياء مستهجنة كثيرة.

 

تبعث الإيديولوجية الجديدة  الأمل في نفوسنا ولكنها لازالت في طور التبلور وضمن مرحلة التجريب.

 

لقد ضيعت، الليبرالية الشمولية المتداولة عمليا، أصالتنا وأنهكت القوى الوطنية وسوف تستخدم بعض أشكال النماذج الاجتماعية والرسمية لتلميع صورتها. ومع هـذا كله فلا أستطيع أن احكم كيف وماذا سيكون جوهر الايدولوجيا الجديــدة وملامحها الرئيسة.

 

زينوفييف:

 

ألكسندر زينوفييف مثقف روسي آخر مشهور لكنه يساري النزعة, كتب عن الايدولوجيا الغربية قائلا: “إن قوة وسائل الإعلام الغربية تفوق قوة الفاتيكان في أوج فترات عظمة تأثيره. ولكن هذا ليس كل شيء، إن كل وسائل الغزو الثقافي من الأفلام حتى كتب الفلسفة تذهب بنفس الاتجاه.

 

وينظر إلى كل الناشطين على هذه الأرض وكأنهم يتلقون أوامر مركزية من جهة ما. ولذلك فان قرار إسقاط كاراجيتش أو ميلوشيفيتش أو غيرهما يمكن أن نضعه ضمن هذا الإطار.

 

ولذلك تحركت ضدهم ماكنة الدعاية الكونية وقد حصل ما أراد أصحاب تلك المؤسسات الدعائية في تحقيق مآربهم.

 

لقد أصبحت الايدولوجيا الغربية اليوم تنسق نفسها بنفسها وتصيغ النظريات والأفكار لتستخدمها بشكل يلائم مصالحها. وواحدة من تلك الأفكار تنص على أن القيم الغربية وطريقة الحياة في الغرب هي الأرقى مع غض النظر عن شعوب كثيرة تقتل وتدمر.

 

والآن يتم إقناع الأمريكان أن الروس لا يمكن أن ينجحوا. وهم يؤكدون دائما على إن قيم الغرب عالمية وان الروس سيبقون أسرى المبادئ الإيديولوجية الدوغماتية.

 

وعندما نسمع النخبة الغربية وهم يتحدثون،  يظهرون أمامنا كأنهم أبرياء وأصحاب شهامة ويتفانون من اجل احترام الحقوق الفردية.

 

ويستخدمون بهذه الثرثرة قاعدة الدعاية الكلاسيكية القائلة (يمكن أن تضيع الحقيقة بكثرة اللغو). ولقد تعرض مفهوم حقوق الإنسان اليوم لضغوطات عديدة، وهي ضغوط أيديولوجية خالصة، مع افتراض إن الحقوق موجودة ولكنها ليست مطبقه مما يؤدي إلى كشف جزء قليل منها. ويذكر زينوفييف بأنه على استعداد أن يتعرض للايدولوجيا الغربية بهدف تحليلها بطريقة علمية، أي يحلل دوافع العولمة. وبعبارة أخرى الحكومة العالمية.ويقول: إن هذه الفكرة منفرة وكريهة وتختفي زورا  وراء منطق حب الخير وتوحيد العالم، وتحويله بالكامل إلى عالم موحد. وفي الحقيقة أن الليبرالية لعبت دورا تاريخيا كبيرا ولكن من الخطأ أن نصفها اليوم بالليبرالية لان المجتمع الليبرالي غير موجود. إن مبادئ الليبرالية قد تجاوزتها كليا مرحلة تراكم رأس المال. إن تراكم رأس المال في هذه المرحلة التاريخية قد تجاوز كليا وتعدى على مبادئ الليبرالية. وقد ألحقت حركة كتل رؤوس الأموال ضررا بالمجتمعات  لأنها تتم دون أن تأخذ بالحسبان مصلحة الدول أو مصلحة الأفراد.

 

وتعني الليبرالية  اليوم مبادرات شخصية أو مجازفات شخصية،  إذ لا يمكن القيام بعمل أي شيء دون ضخ نقود من المصارف. أن معظم تلك المصارف (ماعدا القليل منها)  تسلك سياسة دكتاتورية وإجبارية في جوهرها. فلقد وقع أصحاب القطاع الخاص تحت رحمتهم وغضبهم، وذلك أن تحديد القروض يقع تحت إشراف السلطة المالية للمصارف، وقد ترتب على ذلك إضعاف دور الفرد حاليا من يوم لآخر في النظام الرأسمالي.

 

إذن الايدولوجيا الغربية ايدولوجيا قهرية وهي فكرة جديدة ومبتكرة للاحتلال وتشويه التاريخ البشري. وهي تستخدم الأفكار النبيلة استخداما سيئا مثل مفهوم حقوق الإنسان، وذلك من اجل أن تحطم الحدود بين الدول ولكي يسود في العالم نظام الاوليغارشية الاحتكاري.

 

إن مبادئ حقوق الإنسان وفق النظرة الأمريكية تأخذ بشكل انتقائي وهي لا تنطبق على الصرب والفلسطينيين والعراقيين.

 

يتوقع الكسندر زينوفييف إن روسيا مقتدرة وتمتلك جيشاً كبيراً وقوة اقتصادية تستطيع من خلالها أن تقود العالم المضاد للعولمة. ولكن العلماء الروس قد أشاروا إلى عدم تبلور أيديولوجية جديدة في الوقت الراهن، وإن كل المفكرين الروس مطالبين بذلك. وعلى ماسكي السلطة في البلاد أن يفكروا هكذا. وينبغي من منظرينا أن يعبسوا جباههم ويشحذوا أذهانهم ليكتشفوا مكونات نظرية جديدة. وأن تعلن القيادة ذلك أمام الشعب بأنها ستحافظ على القيم والاصالة، ومن المؤكد إن الشعب سيتجاوب وبقلب واحد وسيبدأ يتصرف وبالشكل الذي يلبي النداءات التي توجهها السلطة. عند ذاك ستبدأ في الحال عملية إحياء روسيا وستبدأ التقارير تكتب حول النجاحات والقيادة والاحتفالات والأوسمة. إن العالم سيصبح منبهرا لان روسيا تقدم لأوروبا ومن الممكن لكل البشرية طريقا جديدا غير طريق التعسف والقهر الليبرالي الغربي. المهم اكتشاف تلك الفكرة ، لأننا بحاجة إلى ذلك وبحاجة إلى قيادة صبورة وشعب يتجاوب حالاً ويتحلى بالصبر أيضا.

 

ليس المطلوب تبني أية أفكار نظرية وإنما فقط تلك الأفكار التي تمتلك خاصية محددة، أي تلك الأفكار التي تؤثر على سلوكيات الناس وتحرضهم للقيام بأعمال محددة أو أعمال أخرى ينبغي عدم القيام بها. ومن اجل تحقيق هذا الدور فإن الحكومة يجب أن تكون مشكلة وفق قواعد معينة.

 

إن الأيديولوجية هي مجمل الأفكار التي تؤثر على سلوكيات الأفراد. وهي تحقق وفق قواعد خاصة. ويتطلب من ظاهرة بهذا النوع أن تبقى محروسة على طول الوقت وبشروط معينة، وان مثل هذه الظروف ليست متوفرة دائما.

 

هكذا يقول زينوفييف.

 

 

 

Russian

 

English