عبد الملك خليل :الفيلسوف ألكسندر زينوفييف

 

تقارير المراسلين
41991    ‏السنة 126-العدد    2001    نوفمبر    24    ‏9 من رمضـان 1422 هــ    السبت
الفيلسوف ألكسندر زينوفييف‏:‏

أمريكا تسعي بعد انتصارها في أفغانستان

للهيمنة علي آسيا وتصفية الأنظمة الإسلامية المتمردة

 

رسالة موسكو‏:‏ عبد الملك خليل
الفيلسوف ألكسندر
انتهت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الرسمية الي الولايات المتحدة الامريكية وهو اللقاء الرابع بين الرئيسين بوش وبوتين منذ اختيار بوش لرئاسة الولايات المتحدة في شهر يناير الماضي‏.‏
وقد تناولها البعض من منطلق متفائل يأمل من ورائها خيرا بينما تناولها آخرون من موقف متشائم جدا‏..‏
أما الفيلسوف الروسي المعروف الكسندر زينوفييف فقال‏:‏ إنني لست من المتشائمين ولست مع المتفائلين إذ أن هؤلاء لا يدركون ماذا يجري في عالم اليوم‏..‏ إن ما يجري هو استمرار الحرب العالمية الثالثة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الناتو‏..‏ وهدفها هو الهيمنة العالمية والسيادة علي مقدرات الكون‏.‏
والفيلسوف زينوفييف عالم بارز في السياسة ومؤلف لعدد من الكتب المهمة كان من الذين حاولوا في شبابهم اغتيال الزعيم السوفيتي السابق يوسف ستالين كما اعتبر من المفكرين المنشقين علي تسيد الحزب الشيوعي السوفيتي لكل شئون الحياة والعباد في البلاد المتسعة التي كانت تشتمل علي‏15‏ جمهورية وتمتد لأكثر من‏17‏ مليون كيلو متر مربع بين القارتين‏:‏ أوروبا وآسيا‏.‏

 

وكان ثمن تمرده هو نفيه لسنوات خارج الاتحاد السوفيتي حيث أقام سنوات في ألمانيا وفرنسا والغرب ولم يعد إلي روسيا إلا بعد تحجيم الكابوس الشمولي الاشتراكي المخيف وانهياره‏.‏
ويمضي د‏.‏ زينوفييف إلي وصف الحرب الراهنة بأنها كانت حربا باردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية غير أنها أصبحت حربا ساخنة الآن بعد الحادي عشر من سبتمبر والهجوم علي نيويورك وواشنطن وحيرة القيادة الأمريكية فيما يجب أن تفعله‏..‏ مما جعلها حربا جد ساخنة أو ملتهبة أو متأججة‏..‏ إذا جاز الوصف التعبيري‏!!.‏
ففي المرحلة الأولي من هذه الحرب كان الاتحاد السوفيتي الغريم الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنه خسر المعركة وانهار وانتهي ما كان يسمي النظام الاشتراكي بصيغته السوفيتية‏..‏

 

أما الآن فإن الاتحاد السوفيتي السابق ـ الذي أصبح روسيا الحالية يحكمها أولئك الذين عملوا في السابق علي تحطيم الاتحاد السوفيتي ويعملون حاليا في خدمة المنتصرين الحاليين والمتفوقين في المستقبل أيضا‏!!!.‏
ويضيف الفيلسوف الكسندر زينوفييف‏:‏ يكثر الحديث عن شراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا فعن أي شراكة يمكن الحديث بين بوش وبوتين؟ وهل يجوز خداع النفس والافتراء علي ضمير الإنسان وقلب الحقائق؟ ان المثل الروسي صادق تماما لأنه يقول‏:‏ إن من لا رأس له لا يخاف أن يصاب بالصلع‏!!!.‏
ويضيف زينوفييف‏:‏ بعد الانتصار القريب والمرتقب للقوات الأمريكية في أفغانستان قد يجري تناول العراق وبعد ذلك بقية الأنظمة العربية الجامحة والرافضة للهيمنة الأمريكية وبعدها الالتفاف إلي البلدان الإسلامية التي تتميز بالتمرد والعقوق من وجهة نظر واشنطن ثم سترفع العصا الأمريكية ضد الهند والصين وكوريا الشمالية وفيتنام‏..‏
ويبدو لي أنه لا توجد قوة في عالم اليوم في إمكانها وقف هذه القوة وذلك الزحف‏..‏ ولذلك فإنها تسعي نحو الحرب الملتهبة دون الاحساس بالعقاب من أحد‏..‏ وهذا واقع يجب الاعتراف به‏..‏

 

الآمر الناهي
ويمضي زينوفييف الي القول بأن روسية دولة محطمة وأن الأقوياء في العالم يتعاملون معها كيفما يشاؤون‏..‏ أما لقاءات القمة فهي ألعاب سياسية لا أكثر ولا أقل‏..‏ ولا يوجد لنا في الغرب شريك متساو‏,‏ أما الولايات المتحدة فهي ليست شريكا لنا بل أنها في حقيقة الأمر وبمنتهي الصراحة والأسي الآمر الناهي‏!!!‏ بالرغم من كل تصريحات بوتين وبوش وطبطبة بعضهم علي ظهر الآخر والاحتضان والابتسامات أمام الكاميرات وعدسات شاشات التليفزيون‏..‏ إنهما ليسا شركاء ولا يجوز القول أبدا بمساواة شراكتهما‏..‏ إن بوش يمثل دولة تسير نحو الهيمنة علي العالم أما بوتين فيمثل دولة منهارة‏.‏

 

روسيا كرأس جسر
ويواصل الفيلسوف الروسي زينوفييف فيقول بأنه يتنبأ في المستقبل أن الصين الشيوعية الحالية ستكون العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية وأن أمريكا ستستخدم روسيا كرأس جسر ومنطلق للهجوم علي الصين لتمويل الحرب بلحوم بشرية روسية‏..
من الحى التجارى بمدينة كابول لم يبقى سوى هذه الأطلال
ويضيف زينوفييف‏:‏ لقد تحدثت مع عالم سياسي أمريكي مؤخرا فقال لي بأن الإدارة الأمريكية تعتقد ان الحرب القادمة هي حرب ضد الصين وان روسيا ستستخدم فيها وان هذه الحرب قد تكلف روسيا ما بين‏30‏ ـ‏50‏ مليون إنسان‏!!!‏ وأعتقد أن الاستراتيجيين الأمريكيين يعملون علي وضع المشاريع الكثيرة في أوروبا وآسيا وحتي في إفريقيا والعالم لتنفيذ مخططهم‏.‏
إن الحسابات تدل علي أن الولايات المتحدة تعد الأعمال ضد الصين بعد استنزاف بعبع الإرهاب الدولي و الحركات المناهضة للعولمة‏..‏ لقد حصلت الولايات المتحدة الأمريكية علي حق توجيه ضرباتها العسكرية والاقتصادية والسياسية وصولا الي القصف النووي الي اي بلد في العالم مهما كان موقعه الجيوسياسي‏..‏
ولا يستبعد المفكر السياسي المرموق زينوفييف نشوء دول شيوعية في اسيا علي غرار تقليد التجربة الصينية ويضيف وأعتقد أن تثبيت أقدامهم‏[‏ الولايات المتحدة‏]‏ في أفغانستان وآسيا الوسطي ليست بعيدة عن هذا المخطط‏,‏ وكذلك في البلدان الآسيوية الأخري‏..‏

 

ويتطرق زينوفييف الي تناول دور روسيا في الحرب الأفغانية القائمة وما يقال عن كونها غير مشتركة فيها علي مستوي الجيوش فيري أن ما يقال عن عدم اشتراك روسيا في الحرب الحالية في افغانستان هو هراء في هراء‏,‏ لأن روسيا ـ في تقديره ورصده الدقيق ـ هي مشاركة بطريقة فعلية في الحرب‏..‏
ويستطرد وفضلا عن ذلك فقد انبري الرئيس بوتين في الساعات الأولي علي مرور الكارثة الأمريكية‏..‏ وبعدها في السابع من أكتوبر حيث بدأ الغزو الأمريكي ـ الإنجليزي علي أفغانستان يقول الرئيس بوتين أمام العالم أجمع نحن معكم ويقصد مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن روسيا قد وافقت بلا تحفظ علي الأيديولوجية المذهبية الأمريكية الحالية أي الحرب ضد الإرهاب‏..‏ إن روسيا تحمل في هذا السياق وهذه الأيديولوجية بالذات بوصفها مساعدة للولايات المتحدة الأمريكية وليست كشريك‏!!!..‏
ومادام الأمريكيون لا يحتاجون جنودنا حاليا فإن إدارة الرئيس بوتين مستعدة دوما لتنفيذ طلب واشنطن في إرسال جيوشنا الي هناك‏..‏ ثم ان الولايات المتحدة تستخدم اجواء روسيا وقواعد الاتحاد السوفيتي السابق في أوزبكستان وطاجيكستان وتمد الاتحاد الشمالي الأفغاني بالأسلحة والمعدات وتقدم المعونة الغذائية للاجئين الأفغان والتي تذهب أساسا الي جيش الاتحاد الشمالي‏..‏ أليس هذا مشاركة فعلية في الحرب؟‏.‏

 

ويختتم الفيلسوف زينوفييف حديثه قائلا‏:‏ مهما كانت محصلة اجتماعات بوتين مع بوش وما قد تمخض عنها من نتائج ضئيلة فإنها صغائر مضحكة بالقياس الي مصائر الشعوب‏..‏ وان هذه المحصلات هي زبد التاريخ وفقاعاته التي سرعان ما تزول وتتبدد‏..‏ وهي أيضا عروض سياسية تخفي جوهر الأحداث الجارية في العالم‏.‏
وفي هذا الصدد قال الدكتور سيرجي روجوف مدير معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية عن هذه الزيارة ان هذه الزيارة يمكن ان تدخل في الزيارات التاريخية بين الدولتين‏..‏ لقد أصبحت العلاقات الودية امرا مقررا رسميا او دي فاكتو‏..‏ لكن من غرائب الزمن ان موسكو وواشنطن وجدتا عدوا مشتركا لهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام‏1945‏ حتي‏11‏ سبتمبر سنة‏2001.‏

 

ويقارن د‏.‏ روجوف العلاقات الرئاسية السابقة ويقول‏:‏ إن علاقات الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وصلاته الشخصية مع كلينتون رئيس الولايات المتحدة ومع المستشار الألماني السابق هيلموت كول ومع السيدة تاتشر وميجور وبلير رئيسي وزراء بريطانيا السابق واللاحق لم تسفر عن انفراج من هذا النوع‏..‏ وبالرغم من ان القدر هو الذي خلق هذا الانفراج بين البلدين بفعل الارهاب‏,‏ فإنه من الضروري تطوير هذه العلاقات لاحقا وإغنائها بمضامين مفيدة للدولتين والعالم أجمع‏..‏ إن زيارة الرئيس بوتين لم تعد بفوائد آنية سريعة ولكنها تعد بفوائد لاحقة فيما لو روعيت فيها قواعد اللعبة وتوازن المصالح كبديل عن توازن القوي‏..‏
ومن الضروري في هذا المجال تجنب العواطف في تحليل هذه الزيارة لأننا أمام عالم متفجر وخطير يجب معالجته بأقصي درجات الانتباه والحكمة‏!!.‏

 

Russian

English